جيرار جهامي

مقدمة 24

موسوعة مصطلحات ابن سينا ( الشيخ الرئيس )

يبين جليّا من خلال هذه الأمثلة أنّ اللغة الفلسفية قد بدأت تتبلور كلغة خاصة ومتخصّصة زمن ابن سينا . معه لم تعد المشكلة تكمن في إيجاد المرادفات ، أو في صياغة المعاني على نسق اليونانيين ، إنما في احتواء مضامين الاصطلاحات الفلسفية جميعها واستعمالها . فقد بانت تشتمل على كل بعد من أبعادها ، منفصلا حينا ومجتمعا مع غيره أحيانا ، وفقا للمطلوب في ميادين الفلسفة وصناعاتها المختلفة . إن مغازي اللغة هذه على أصعدتها كافّة تعكس لنا طبيعة الإنسان ، كائنا له القدرة بالكلام على الاتصال بالغير ومشاركته انفعالاته وأحوال وجوده . وهو يتجاوز بهذه الملكة السامية حدود الحياة الحيوانية القاصرة للتعبير عن مكنوناته الوجدانية ، كما تخوّله رسم معالم الواقع ونقل أفكاره وصور المعاني الذهنية . هذه الصفة تجعل الكلمة وسيلة لإحياء الماضي الذي عبر ، وتوقّع المستقبل الآتي ، خارقة حدود المكان والزمان ؛ فهي تحرّر العقل من قيود الآن والموضع . هكذا وجد الشيخ الرئيس أن الإنسان العاقل يلعب ، بفعل تطويعه الكلمة والعبارة ، دورا فاعلا ثلاثي الأطراف : فعاليته على الصعيد الحكمي والأنسي مطوّرا النوع البشري ؛ نشاطه ثقافيّا إذ يسهم في البناء العقلي عبر العصور ؛ وإسهامه اجتماعيّا في ترسيخ بنى سياسية واجتماعية وتربوية قابلة للتطوير . لقد أعطانا هو نفسه المثل الحي حين حقّق هذه الأدوار ، وفجّر طاقاته الذاتية خدمة للإنسان . فأضحت لغته ، بغنى مصطلحاتها ، تجربة تحتذى في الكتابة الفلسفية ببسائطها وتركيباتها ، بتنوّعها وتخصّصها في آن . جمع في كتاباته هذه بين اللغة العلمية - المنطقية إلى جانب تلك العقلية - الروحية . فاستعار من العلوم التجربية - الطبيعية أهمّ مفرداتها ( الجنس - الاختلاط - الحال - السبب - الأصل - التفاضل - العرض - العظم - العلامة - العلّة - الفعل - الوضع - الفاعل - القوة - الانفعال - الكيفية - التقدّم - الممكن - الممتنع - المناسب - الخ . . . ) وتعمّق في تلك الماورائية والدينية ( الأول - الواجب - الوجوب - الوجود - القدم